رأي فني.. مشكلة الأرجنتين ليست في اللاعبين.. بل في طريقة توظيفهم

سأقولها بكل صراحة، الأرجنتين تملك كل المقومات للتتويج بكأس العالم. سواء واجهت فرنسا، أو إسبانيا في النهائي، أو إنجلترا، أو النرويج، فإن جودة اللاعبين موجودة، والخيارات متوفرة في جميع المراكز، إضافة إلى جيل شاب واعد يضم أسماء قادرة على صناعة الفارق، مثل نيكو باز وغيره.

لكن هناك مشكلة واضحة لم يعالجها المدرب في آخر مباراتين أمام الرأس الأخضر ومصر، وهي الاعتماد المبالغ فيه على اللعب عبر العمق وإهمال الأطراف.

برأيي، عندما تواجه منتخبًا مثل مصر، الذي اعتمد على الدفاع وإغلاق المساحات، فإن الدفع بأربعة لاعبي وسط لا يمنحك أفضلية كبيرة، لأن المنافس لا يهاجمك أصلًا حتى تحتاج إلى السيطرة على وسط الملعب بهذا الشكل.

هذه الخطة قد تكون مناسبة أمام منتخبات مثل فرنسا أو إسبانيا، حيث تكون معركة وسط الملعب حاسمة بسبب جودة المنافس الهجومية، أما أمام فريق يدافع طوال المباراة، فأنت تحتاج إلى لاعبين سريعين ومهاريين على الأطراف، مع تنويع طرق الوصول إلى المرمى، سواء عبر الاختراق من الأجنحة أو الكرات الأرضية أو العرضيات أو التحركات بين الخطوط.

وقد ظهر هذا الأمر بوضوح بعد التغييرات التي أجراها المدرب في الدقيقة 79، عندما دفع بكل من لاوتارو مارتينيز ونيكولاس غونزاليس. منذ تلك اللحظة، تغير شكل الأرجنتين هجوميًا بالكامل، وأصبحت الهجمات أكثر سرعة وتنوعًا، مع استغلال واضح للأطراف بدلًا من الاعتماد المستمر على العمق.

والأهم من ذلك أن الأهداف الثلاثة جاءت بعد اللعب عبر الأطراف، وهو ما يؤكد أن الحل كان موجودًا منذ البداية. بمجرد أن أصبحت الأرجنتين تهاجم من الأجنحة وتلعب الكرات الأرضية والعرضيات داخل منطقة الجزاء، ظهرت المساحات، وازدادت الخطورة، وتحولت السيطرة إلى فرص محققة ثم إلى ثلاثة أهداف.

هذه اللقطات تؤكد أن المشكلة لم تكن في جودة اللاعبين أو في صعوبة اختراق الدفاع، بل في الطريقة التي بدأ بها المنتخب المباراة. فالتغيير التكتيكي هو الذي منح الأرجنتين أفضلية واضحة، وليس تغيير الأسماء فقط.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل تعاني الأرجنتين فعلًا من نقص في اللاعبين القادرين على شغل الأطراف؟ الإجابة ببساطة هي: لا.

قائمة المنتخب تضم عددًا كبيرًا من اللاعبين الذين يجيدون اللعب على الأجنحة، ولكل منهم خصائص مختلفة تمنح المدرب حلولًا متنوعة حسب طبيعة كل مباراة.

يبدأ ذلك بالقائد ليونيل ميسي، الذي يمتلك حرية تكتيكية كاملة، لكنه ينطلق غالبًا من الجبهة اليمنى كجناح وهمي أو صانع ألعاب متقدم، وهو الدور الذي يمنحه القدرة على صناعة اللعب والدخول إلى العمق في الوقت المناسب.

ويعد نيكولاس غونزاليس الجناح الصريح الأكثر تكاملًا في القائمة، إذ يستطيع اللعب على الجهتين اليمنى واليسرى، ويتميز بسرعته الكبيرة، وقدرته على الاختراق، إلى جانب مساهمته الدفاعية والضغط المستمر على المنافس.

كما يملك المنتخب تياغو ألمادا، أحد أكثر اللاعبين مهارة في المواقف الفردية، والذي يستطيع اللعب كجناح هجومي أو كصانع ألعاب مائل للطرف، ما يمنح الفريق حلولًا إضافية لفك التكتلات الدفاعية.

أما جوليانو سيميوني، فيتميز بالحركة الدائمة والسرعة واستغلال المساحات خلف المدافعين، وهي مواصفات يحتاجها أي منتخب يواجه خصومًا يعتمدون على الدفاع المتأخر.

ويبرز أيضًا نيكو باز، الذي يُعرف أساسًا كصانع ألعاب، لكنه قادر على شغل الأطراف والدخول إلى العمق بفضل مهاراته الفنية ورؤيته المميزة، وهو ما يمنح الفريق مرونة هجومية كبيرة.

ولا يمكن تجاهل فالنتين باركو، الذي رغم تصنيفه كظهير أو لاعب وسط، يمتلك إمكانيات هجومية رائعة على الرواق الأيسر، خصوصًا في إرسال العرضيات الدقيقة وصناعة التفوق العددي على الجبهة.

لذلك، فإن المشكلة لا تبدو في الخيارات البشرية، لأن الأرجنتين تمتلك وفرة واضحة في اللاعبين القادرين على اللعب على الأطراف، بل تكمن في طريقة توظيف هذه العناصر داخل الملعب. فعندما يتم استغلال هذه الإمكانيات بالشكل الصحيح، يصبح المنتخب أكثر تنوعًا وخطورة، وهو ما ظهر بوضوح بعد التغييرات أمام مصر، حين تحول اللعب إلى الأطراف، فجاءت الأهداف وصُنعت الفوارق.

في النهاية، أنا لا أرى أن المشكلة في اللاعبين، بل في قرارات المدرب واختياراته التكتيكية. الأرجنتين تملك كل الأدوات التي تجعلها المنتخب الأقرب للفوز بكأس العالم، لكن استمرار الاعتماد على أسلوب واحد أمام جميع المنافسين قد يكلفها الكثير في الأدوار الحاسمة. أما إذا نجح الجهاز الفني في توظيف الأجنحة بالشكل الصحيح، واستغل التنوع الكبير الذي يمتلكه في الخط الأمامي، فإن الأرجنتين ستكون مرشحًا قويًا للغاية للحفاظ على لقبها العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top