لم يحتج باو كوبارسي إلى سنوات طويلة ليحجز مكانه بين نخبة المدافعين في أوروبا. ففي وقت قياسي، تحول المدافع الشاب إلى أحد أهم أعمدة برشلونة والمنتخب الإسباني، حتى باتت جماهير “البلوغرانا” تهتف باسمه في كل مباراة، بينما يرى كثيرون أنه مستقبل الدفاع الإسباني لسنوات طويلة.
وفي تقرير مطول، وصف الصحفي خوان خيمينيز من صحيفة AS كوبارسي بأنه “قيصر إستانيول”، مشيرًا إلى أن المدافع الشاب يمثل مزيجًا نادرًا بين روح كارليس بويول القتالية وجودة جيرارد بيكيه في بناء اللعب، وهي الصفات التي جعلته يتحول إلى صمام أمان لبرشلونة وإسبانيا رغم حداثة سنه.
من قرية صغيرة إلى حلم كبير
وُلد كوبارسي في قرية إستانيول التابعة لمقاطعة جيرونا، وهي قرية لا يتجاوز عدد سكانها 200 نسمة. وينحدر من عائلة اشتهرت بالنجارة، إذ تمتلك ورشة عائلية تأسست عام 1905 واستمرت عبر أربعة أجيال، قبل أن يختار الابن طريقًا مختلفًا نحو ملاعب كرة القدم.
ورغم البيئة الهادئة التي نشأ فيها، أظهر كوبارسي منذ طفولته شخصية استثنائية، ليس فقط بموهبته الكروية، بل أيضًا بنضجه الإنساني. ومن القصص التي تُروى عنه أنه واسى حارسة مرمى فريقه بعد أن بكت إثر استقبال هدف، ثم عاد إلى أرض الملعب، وراوغ عدة لاعبين وسجل هدفًا، قبل أن يحتفل معها في مشهد يعكس شخصيته القيادية منذ الصغر.
برشلونة اكتشفه مبكرًا
بدأ كوبارسي رحلته مع جيرونا عام 2015، وهناك لفت الأنظار سريعًا. وكان كشاف برشلونة، جافي غارسيا، من أوائل من آمنوا بقدراته، بعدما رأى فيه مدافعًا يمتلك جودة كبيرة في إخراج الكرة، وذكاءً دفاعيًا، وقدرة على قراءة اللعب، إلى جانب مقومات بدنية قابلة للتطور.
وفي عام 2018، انتقل إلى أكاديمية لا ماسيا، حيث لم يُنظر إليه يومًا كمشروع مفاجئ، بل كموهبة كان الجميع ينتظر انفجارها، تمامًا كما حدث مع لامين يامال.
تشافي فتح الباب… وفليك أكمل البناء
جاءت نقطة التحول الحقيقية عندما منحه المدرب تشافي هيرنانديز فرصة المشاركة مع الفريق الأول قبل أن يبلغ عامه السابع عشر. ومنذ ذلك الحين، لم يغادر التشكيلة الأساسية تقريبًا، بعدما أثبت امتلاكه شخصية لا تتناسب مع عمره.
ولم يقتصر دور تشافي على منحه الفرصة، بل ساهم أيضًا في حماية مستقبله، بعدما أبدى مانشستر سيتي اهتمامًا كبيرًا بضمه عبر مشروع يمر من خلال جيرونا. إلا أن برشلونة تحرك سريعًا وجدد عقد اللاعب مرتين خلال موسم 2023-2024، ليضمن استمرار أحد أهم مواهبه.
ومع وصول هانز فليك، ازدادت مكانة كوبارسي داخل الفريق، حيث يرى المدرب الألماني أنه يمتلك جميع المقومات ليصبح أحد أفضل مدافعي العالم.
شخصيتان في لاعب واحد
بعيدًا عن المستطيل الأخضر، يُعرف كوبارسي بهدوئه وتواضعه، وابتعاده عن الأضواء، مفضلًا حياة بسيطة تشبه حياته في لا ماسيا.
أما داخل الملعب، فتظهر شخصية مختلفة تمامًا؛ مدافع شرس لا يخشى المواجهات، ويؤمن بقدراته إلى أقصى حد. ويروي أحد مساعدي برشلونة أنه سمع كوبارسي خلال إحدى المباريات يقول عن مهاجم كان يسبب المشاكل: “هذا سأوقفه أنا.” وهي عبارة تعكس ثقته الكبيرة بنفسه وروحه القيادية.
حتى في التفاصيل الصغيرة، يظهر تواضعه بوضوح. فعندما قرر فليك إقامة تدريب صباحي مفاجئ، عرض النادي عليه المبيت في جناح فندقي، لكنه فضّل النوم في مقر لا ماسيا مع بقية اللاعبين الشباب.
صداقة خاصة مع لامين يامال
داخل برشلونة، لا ترتبط علاقة كوبارسي ولامين يامال فقط بكونهما من جيل 2007، بل يرى المسؤولون في النادي أن كوبارسي كان بمثابة “الميزان” الذي ساعد لامين على الحفاظ على توازنه خلال بداياته مع الفريق الأول، بفضل شخصيته الهادئة ونضجه الكبير.
كما أظهر ارتباطه بجذوره خلال دورة الألعاب الأولمبية في باريس، عندما طلب من والده تنظيم سفر ليس فقط للعائلة، بل أيضًا لأصدقائه الذين رافقوه منذ طفولته، ليشاركوه أهم لحظات مسيرته.
مستقبل الدفاع الإسباني
واصل كوبارسي تحطيم الأرقام القياسية، إذ ظهر مع المنتخب الإسباني الأول قبل أن يلعب مع منتخب تحت 21 عامًا، وأصبح بعمر 17 عامًا وشهرين ثاني أصغر لاعب يمثل “لاروخا”، خلف لامين يامال فقط.
واليوم، ينظر إليه داخل برشلونة والمنتخب الإسباني على أنه حجر الأساس في الخط الخلفي لسنوات طويلة، بفضل هدوئه، ذكائه التكتيكي، شخصيته القيادية، وقدرته على اللعب تحت الضغط.
ومع استمرار تطوره، يبدو أن الهتاف الذي يردده جمهور برشلونة في كامب نو: “كو… كو… كوبارسي” لن يكون مجرد هتاف عابر، بل عنوانًا لمسيرة مدافع قد يكتب اسمه بين أساطير النادي والمنتخب الإسباني في السنوات المقبلة.




